تلقي الكلمة والعهد الجديد

20-Aeon

من الصعوبات التي اواجهها في هذه المدونة محاولتي تلخيص واختصار مفاهيم وأفكار بالغة التعقيد والحساسية في بضع مقالات وجُمل قصيرة، وبالمقابل هناك من يتعمق ويبذل جُلّ جهده ووقته لينتهي بكتاب كامل عنها على الأقل، وهذا ما يشعرني بتأنيب الضمير والتقصير، فما اكتبه هنا لا يكفي لفهم وإيصال معلومة بعينها، لذلك ارجو من جميع القراء أن لا يكتفوا في بحثهم ومعتقداتهم عند أي حد أو معلومة؛ بل ابحروا وفككّوا دائماً سواء داخل أنفسكم أو خارجها في جميع المصادر المرتبطة، فكل ما اقوم بنشره هنا هو مجرد لمحة أو مراجعة لهذه الأفكار من منظوري الشخصي، ثم كتشويق للقارئ ليلتفت لها ويبحث أكثر.

للتوضيح: ما أقوم بتحليله وتنظيره في هذه المقالات هو غالباً من منظور روحي وفردي، ولا يستند فقط على الأدوات المعتادة والمتعارف عليها علمياً في القراءة والشرح المعرفي.

هناك العديد من النظريات التي تفسِّر وتقرأ التاريخ والحضارة الإنسانية وما يُشكّلها أو يدفعها خلال الزمن، البعض يعيد ذلك لغرائز بدائية في الإنسان أو لطبيعة جغرافية، والبعض الآخر لتراكمات من حضارات مختلفة على المدى البعيد والتي قد تُنتج شيء معين في وقت ومكانٍ ما، لكن في وسط هذا كله هناك نظرية مغمورة عمّن يشكّل حقاً الوعي والحضارة في عهود وفترات بعينها. في كل فترة (أو دورة) من التاريخ يظهر رجل وفي حوزته “كلمة”، بمثابة معادلة أو رمز يمثل الحقيقة حينها، ونلاحظ أن بعد هذا الإعلان يبدأ فعلاً تكوّن الأتباع والديانة والتغير للوعي الجماعي والعرقي والذي بدوره يغير المحيط ثم الحضارة بأكملها، فما هي هذه الكلمات السحرية؟ الأكيد أنها تأتي من مصدر متعالي وغير خاضع لأبعادنا المحدودة بل مطوّعاً وموجهاً لها، وقد يلاحظ البعض أن بعد فترة من الزمن يبدأ تأثيرها بالإنعكاس والإنحلال، فيبقى المصدر المكتوب بلا تشويه نسبياً على الأقل. أُم، الله، آناتا، جيهوڤا، جميعها كلمات يدّعي اصحابها أنها اسم أو تمثيل لحقيقة هذا الكون وخالقه، وهي ما أؤمن أنها السبب الرئيسي لتحريك وتشكيل الحضارات والوعي الإنساني قبل أي شيء آخر، ومن المؤسف أن الأغلبية يعتقدون العكس في وقتنا الحالي.

في بدايات القرن المنصرم تلقينا آخر كلمة من هذا المصدر، وهي “ثيليما” (إرادة بالإغريقية)، والتي تجسدت ونُطقت من خلال آليستر كرولي في كتاب القانون، أو كما يحب أن يشير لنفسه بالوحش الأعظم، نسبةً لوحش القيامة من رؤيا يوحنا في الكتاب المقدّس، وهنا نأتي لأحد أكثر المواضيع حساسية وأهمية حول هذا الشخص ونبوءته. فإرتباطه بهذه الصورة يحتوي في طياته المفاتيح والأسرار لفهم رسالته والحقبة التي نمر بها الآن، فهذا الارتباط السلبي والمنفر ظاهرياً ليس إلا أحد الطرق التي تعمدها لنشر وإيصال تعاليمه لفئات معينة، فمن لديه الإرادة والتعطش الكافي ليواجه ويتجاوز هذه الصور (الوحش أو التنين) من خلال تحديات واختبارات نصوصه ومحتواها؛ سيكشف لاحقاً عن جوهرها، خلف كل ما قد يظهر لنا بأنه شيطاني وسلبي. وهذه الصورة في الواقع تمويهية أكثر منها حرفية، فلا يخفى على الأغلبية أن الكتاب المقدّس واتباع الناصري كانوا يُعتبرون مهرطقين وخارجين عن ملة وناموس موسى حينها، فالناصري أيضاً كان من منظورهم دجالاً ويعمل ضد مسيح بني إسرائيل المنتظر، وهذا ما يحدث الآن مع كرولي وغيره، فأفعى الشجرة وحمامة الروح القدس مُكملان لبعضهما البعض وإن ظهروا لنا بأنهم متنافرين، وهذا ما فهمه مدونو الكتاب المقدّس وحاولوا إيصاله مجازاً، ألم يقولوا حين قدوم مملكة الربّ “سيلعب الأطفال مع الأفاعي”؟ الأفعى أيضاً رمز للحكمة والحياة في التعاليم الباطنية للكثير من الأديان.

آليستر كرولي وكلمته هما التنين الذي سيحرك ويزلزل أعماق وعينا البشري ليتمخض عن الكلمة والعقيدة التي ستدخلنا العهد الجديد ونوره، أو “القدس الجديدة” كما يسميها بعض المسيحيون وتنبأت بها العديد من الحضارات والأديان بأشكال ومسميات أخرى، لذلك يُسمى بوحش القيامة، لأنه يحطم الناموس القديم والميت ليأتي بالجديد، وهو ما أؤمن بأنه جزء من قانون كوني وسرمدي، والذي من خلال دوراته الخلاّقة والمدمرة نغتني وننتعش ونتجدد، نقيض العقائد الثابتة والميتة التي تقاوم على مدى التاريخ وتعتقد بصمودها وإزدياد قيمتها، بينما في الواقع هي جثة متعفنة تحاول وتتوهم الحراك فقط.

قسّم السيد كرولي الزمن كدورات أو عهود متتابعة (ثلاثة)، وهو معتقد حاضر في الكثير من الأديان القديمة، والتي تشير كلها وتتفق أخيراً بأن الزمن لايسير في خط مستقيم للمجهول إنما حَلَقي ومحكوم تحت قوى معينة، معيداً لنفسه. الفارق في هذه الحالة هو تصنيف كرولي لهذه القوى، فنسب كلاً منها لثلاثة من الآلهة المصرية، وهي: ايزس (الأمومة، الطبيعة، الأرض)، ثم اوزيرس (الأبوية، الصراع، الحضارة) وأخيراً حورس (الطفولة، الحرية، التجدد)، وهي الدورة أو العهد الذي نعيشه الآن، وهذا بالتأكيد تعريف تجريدي لأبعد درجة ممكنة، فينضوي تحت هذه القوى عدد لانهائي من التأثيرات والاحتمالات التي تتجاوز ما قمت بذكره، إلا أن ما يميزها الثبات والعودة لصورة الأم والأب والابن، وهو ما يعزز اقتناعي بها، كونهم المحرك والمصدر الأول لوجودنا الفيزيائي. جدير بالذكر أيضاً أن هذا التصنيف مقارب لنظرية أحد أهم مؤسسين علم النفس التحليلي وهو كارل يونغ ونظريته للأنماط البدائية أو الأصلية التي تشكل وتأثر على تكوين الذات والهوية، والتي ربطها بالآلهة الأولمبية.

ما الذي يميز طبيعة ورسالة هذه الكلمة وعهدها إذن؟ من الناحية العملية تستند وتتمحور أولاً حول ممارسة الفرد وتجسيده لإرادته الحقيقية كما حاولت شرحه في مقالتي السابقة، والتي أهم ما سينتج عنها هو تجلّي النور والحب والحياة والحرية (بأكثر صورة روحية ممكنة) في صاحبها، نقيض العبودية والإستسلام والإنكسار، وهو ما تم تلقين وتجنيد البشرية عليه لأكثر من ألفين عام مظلمة، في الدين والسياسة تحديداً. فكل من يتلقى ويتبع هذه الكلمة الجديدة يصبح ملكاً لذاته أولاً ويرى في الآخر ذات الشيء، ويحاول أن يساعد من يعتقد العكس، فهي ارستقراطية روحية/عقلية بحتة، وبذلك حتى معرفة الفرد للخالق أو مصدر الكون يجب أن تعزز وتزيد هذا الشيء، لا الضعف والصغِر وإنعدام القيمة، بل جميعنا مكملين ومشتركين في هذه المأدبة الإلهية، “كل رجل وامرأة نجم” كما يقول كتاب القانون، والجميع اجزاء من عقد سماوي واحد كما نراه ويزيّن هذا الفضاء وأعماقه، الكل أشعة من نور شمس واحدة.

من أصعب دروس هذا العهد والتي لازلنا نتعلم منها، هو تحول التركيز من الجماعة إلى الفرد. اصبح الإنسان والفرد هو نقطة الحساب والمرجع لكل شيء، حتى الفلسفة والتقنية في القرون الأخيرة جميعها تخدم هذه الفكرة، وهو ما ترتب عليه الإيجابي والسلبي معاً، والذي من منظوري ليس إلا اعراضاً جانبية بسبب النقلة بحد ذاتها، والتي كانت في مخاض منذ نهايات عصر النهضة مروراً بالتنوير والثورات إلى ذروتها في بدايات القرن الماضي مع تلقي كتاب القانون. فكون الفرد في وقتنا هذا يحظى بأولوية ومزايا لم تتوفر له سابقاً لا يعني الشجب التام والانفصال عن الجماعة والمنظومة الهرمية التي هو جزء منها وتحتويه، فيجب على الفرد والجماعة أن يكملا ويخدما بعضهم البعض، ومن رأيي أهم وأفضل ما توصّلنا له في هذه الموجة هو انتهاء الوصاية والوساطة الروحية، فكل فرد هو مصدر ومرجع ذاته في علاقته مع هذا الكون وما ورائه، لا شيخ أو قسّ له دخل في ذلك مباشرةً، ووظيفتهم يجب ألاّ تتخظى الإلهام والتوجيه في أفضل الحالات لمن يتوافق معهم، لا السيطرة والإكراه والتحكم، فمن لديه هذه المَلكة حقاً لن يحتاج أن يسوقها أو يستغلها، بل ستظهر وتقوم بعملها تلقائياً.

يتميّز هذا العهد أيضاً بإنعتاق الابن من سطوة الوالدين، والمقصود هنا من الناحية النفسية أولاً، فهو عهد الطفل حورس، الروح الطليقة التي لايحدها أفق، فحاضرنا لا يحكمه أو يشكله ماضي وظل أجدادنا فقط، قد يلهمنا ونكرّمه بما يتوافق مع إرادتنا، لكن لن يجعلنا مجرد نسخاً أخرى لهم، وهذا ما لايستطيع انكاره أي شخص يلاحظ طبيعة وتأثير التربية وبيئة المنزل على المدى البعيد، والتي تتسب غالباً في أن يرث الطفل السمات السلبية من والديه قبل الإيجابية، وهذا ليس إعلاناً للتمرد والثورة العمياء كما يفعل الكثير من المراهقين، بل هي عملية داخلية صعبة ودقيقة للإنفصال يجب أن يعيشها أي فرد مع تقدمه بالعمر وتطوره، فالأب والأم مرتبطين بأطفالهم على مستوى أعمق من اللاوعي حتى، وهو ارتباط غريزي بحت، وهذا ما يجب أن نقاومه ونهذبه.

يعلمنا كتاب القانون أيضاً أن لا نرفض ونحارب المادة بعينها، وهو عيب أغلب أديان العهود السابقة. عهد الطفل حورس وكما يذكر كتابه لا يرفض المادة بل يطمح أن يتحدّ معها، لا يراها شرّاً وعائقاً عن الملكوت، بل انعكاس أو حجاب رقيق للحقيقة، نحن نحب ونقدّس المادة وما تجلبه من سعادة وانتشاء واستقرار، فهي الوعاء الذي يحتوي وتعبر من خلاله الروح طبيعتها، كتاب القانون مليء بالآيات التي تحض على تقديس اللذة والجمال وماهو محسوس، فهي طور وشكل آخر للحقيقة، ورفضها والتقليل منها هو المحرم والمكروه بحد ذاته، ومن يتبنى العقيدة المناقضة لذلك يتضح عليهم في أفعالهم ومظهرهم الشاحب الذي يكره ويُنكر الحياة.

وأخيراً، ما يهم هو البعد الروحي لهذه المصطلحات والكلمات، فحينما أشير لأشياء بديهية كالفرد والحرية والحب، لا اقصد بالضرورة ما تعنيه هذه الكلمات حين تناقلها في أحاديثنا واحتياجاتنا اليومية فقط، بل في سياق لفلسفي وعلمي، فماذا تعني هذه الكلمات حينما نقوم بربطها في الخالق وغير ماهو محسوس مثلاً؟ الحرية التي اعنيها هي حرية داخلية أولاً، حرية من أسوأ الصفات والحدود والمعتقدات التي في داخلنا وتعيقنا، والتي جميعها ستحل وتؤثر على المادي حينما نتوجه لها بهذه الطريقة. انصح واحرّص الجميع أن يقرؤا ويتأملوا هذه المفاهيم من منظور فكري بحت كما شرحها كرولي في نصه الذي شاركت رابطه في الأعلى. وأخيراً، نحن في فجر كوني جديد، فلا تشيحوا بنظركم عن شمسه؛ ادخلوا وغنّوا مع أشعته كل يوم بإسم: النور والحب والحياة والحرية!

هيروغليفيا الروح: كيف تعرف إرادتك الحقيقية

(Do what thou wilt shall be the whole of the law – Love is the law, love under will)

لا ينكر أياً منا الحيرة التي نصطدم بها حين نتسائل عن حدود ومدى حريتنا الشخصية، تتبخر حينها كل الإنتشاءات التي شعرنا بها في لحظة شددنا بها قبضتنا على القدَر، مقابل حادثة أخرى استشعرنا من خلالها توهاننا وضآلتنا. أعيا واختلف في هذا السؤال نخبة وقامات من صنعوا الحضارة البشرية؛ فما هو حال العوام؟ ما لا نختلف عليه هو وجود (قوة) تحركنا بدون وعي وإرادة منا بإتجاهٍ ما معين، وأجلى مثال لهذا الأمر جسد الإنسان ذاته، لا يستطيع الثبات في حالة واحدة لفترة محددة من الزمن، فماذا عن كل التفاعلات والأفكار التي تحدث في أعضائنا وعقولنا حتى دون وعي وتدخل مباشر منّا؟ إذن، يمكننا القول بقليل من الثقة، أن الإنسان مسيّر فيما لايعلمه ومخيّر في أغلب ما يعلمه. لا أعتقد أننا قادرون على الانعتاق من هذا الأمر، بل من خلال هذا الحيز قادرون على استحضار سلام وفرح وجمال لا يحلم بهم الواهم إما بالحرية المطلقة في التخيير أو النقيض المتشائم من التسيير التام.

في سنة 1904 م من القرن المنصرم، تلقى البريطاني آليستر كرولي وحياً كتاب القانون في القاهرة، والذي احتوى على الآية الرنانة: (كل رجل وامرأة نجم)، وأعي تماماً ضحالة وفارق الترجمة العربية لهكذا نص، إنما الأهم تجاوز الشكل ومحاولة شرح روح هذه الجملة وارتباطها بتساؤلاتنا الآنفة. اخترت هذه الجملة لعدة أسباب، أهمها الكم الذي تختزله من النبوءة والعلم فيما لا يتعدى بضع كلمات، وهو ما سأوضحه الآن قبل أن نغوص لباطنها مشيراً إلى ظاهرها، والذي ربما تأكده المادة من خلال الاكتشافات العلمية الحديثة.

كما لا يخفى على المطّلع في العلوم الطبيعية الحديثة، فإن العناصر الأساسية التي تنبثق من خلالها الحياة على هذه الأرض هي ذات العناصر التي نتج عن تناغمها نشأة النجوم وضوئها في الفضاء، والتي بعد إنفجارها ينتشر غبارها ليصل الأرض وهكذا. فهنا نرى التطابق الحرفي لهذا الوحي مع ما اكتشفه العلم لاحقاً، أي أننا فعلاً نحمل الحمض النووي لهذا الكون في داخلنا بجانب تاريخنا الأرضي هنا. لكن ما الرابط في كل هذا مع حرية الإرادة؟ يجب أن أوضح أجزاء وطبيعة الإرادة ومفهومها من هذا المنظور الخاص. كرولي يشبّه الفرد بالنجم، له طبيعته وشكله الذي يختص به، والأهم في هذا كله هو موقعه ومداره ونوره الذي يسير به في هذا الفلك، فالإنسان (المفترض) أن يوازى تحرّك النجم السماوي بحياته على الأرض، لا يقتطع مسار نجم/إنسان آخر، ولا يقف في مكانه، متناغماً مع القوانين التي تحكم هذا الكون، والقيام بذلك ينتج عمّا يسميه الإرادة الحقيقية؛ أي أن بالمقابل هناك إرادة محدودة ومشوهة، وهي غالباً مرتبطة بالرغبات المادية والأنانية، والتي يسبّب تراكمها لعمى البصيرة وأخيراً دفن أكثر للإرادة الحقّ، فيحدث اضطراب للفرد مع ذاته أولاً ثم الآخر، والذي نشبهه بتقاطع مسار نجم مع آخر. إرادتنا الحقيقية متعالية، فهي النور الخافت الذي نلمحه في كل هذه العتمة، وهي نبض أعمق من الذي نسمعه في قلوبنا، ولأن هذه طبيعتها، فهي لامحدودة وأبدية، مختلفة عن إرادتنا المحدودة أو المادية، والتي تتجسّد سلباً في رغباتنا كما ذكرت، إنما هنالك جانباً إيجابياً لها، كالمواهب والهوايات والتي يمكن أن تكون وسيطاً لنعبّر فيه عن إرادتنا الحقيقية، إنما قناعتي تقول بأنها سرّ خاص بكل فرد ولا يمكن أو يجب حتى كشفه (تماماً) للآخر. فكما توجد قوة تدفع التفاعلات الكيميائية بجسدك للإستمرار والوجود، هناك قوة تدفع عقلك للبحث عنها ومعرفتها، البعض يسميها البحث عن الذات أو الخالق أو المعنى إلخ، وأنا اسميها الإرادة الحقيقية، والتي بدورها ستجيبك لاحقاً على كل هذه الأسئلة.

هناك العديد من الأمور والدروس التي يجب أن ننتبه لها لنعرف ونتصل أكثر بإرادتنا الحقيقية، لكن لنستخدم مثالاً بسيطاً ونشبهها بفكرة القدَر كما نستمتع بها في الأعمال الملحمية، علينا فقط أن تتخيل ذواتنا بدور البطل ورحلته في سيناريو حياتنا، وأعني ذلك شبه حرفياً. تاريخنا ومستقبلنا الروحي يبدأ بالكشف عن ذاته منذ اللحظة الأولى التي يقع بها بصرنا على الرمز، وهو أمر ربما لن نعي به حتى في سنوات مراهقتنا الأولى، بل في لحظةٍ ما مفاجئة، حينما نرى رمز آخر مرتبط بالرمز الأول الذي تلقاه لاوعينا الغضّ، حينها يكمل كتابنا نصّه الكوني الذي بدأ به. قدَرنا أو إرادتنا الحقيقية لا تتواصل معنا من خلال المنطق والفكرة فقط، بل دائماً وأولاً من خلال الصورة والشعور، متجاوزة ومطوّعة للعقل. ابدأ حينها بجمع الرموز التي كانت ولا زالت تحرك قلبك لسببٍ ما منذ الصغر، وإن كنت فطيناً بما يكفي ستلاحظ الرابط والتشابه بينهم، وأخيراً ستكتشف أن هذه الرموز ليست إلا شيفرة من مصفوفة أو نصّ أعظم وخفي هو ما يشكّل أرواحنا كما هي أو نريدها حتى. حينما نسمح لهذه الرموز وما يرتبط بها من أفكار بإستقرارها أكثر في وعينا، سنلاحظ تدريجياً تحوّل الصدف والحوادث في حياتنا لصالحنا، وأقصد ما به اغناء وتطور للجانب الروحي أولاً ثم المادي، وهنا نبدأ نيل حريتنا المرجوة، والتي بمثابة عرفان بسيط يقدمه الكون مقابل وعينا بخطته الأزلية وتناغمنا معها؛ فمعرفة وممارسة الإرادة (الحقيقية) ليست إلا انعكاس لإرداة الخالق، شريطة أن لا نتخطى ونتجاهل ملحمتنا هذه ورموزها، حينها فقط ستبدأ العراقيل والحدود بالظهور مجدداً، فكما يقول كرولي نفسه: “هي أكثر حرية يمكن أن يحصل عليها الإنسان، وأثقل مسؤولية يحملها على عاتقه أيضاً”، فكل قرار سيذكرنا بالمساحة التي بإمكاننا كسبها أو خسارتها.

قد يكون كلامي أقرب للهذيان وأحلام اليقظة بالنسبة للبعض، لكن في الواقع أنا أزيح بعض الغبار فقط عمّا هو أعمق وأعقد، فهذه الفلسفة وطريقها هي الخلاص الوحيد للإنسان في عصرنا هذا وتحدياته من منظوري، واتحفظ عن شرح مفاهيم وتفاصيل أخرى اترك للمهتم متعة استكشافها وتجربتها، وبطبيعة الحال أنا لا أوازي لغة وروح مؤسسها فهذه مجرد محاولة متواضعة لنشر وشرح هذا القانون، ولا يوجد مصدر آخر يعلو وأكثر ثقة من الأصل، لذلك أوجه الجميع للقراءة والفهم من المصدر الأصلي.

(قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ) *

melch-revenna-apoll

لماذا مدّعي النبوة لا يُحصون بينما قلة منهم يتبَعون بعد فنائهم؟ هذا يتطلب منا تفكيك أكثر لمفهوم الوحي ثم ما يترتب عليه، وربما طبيعة وتاريخ المجتمع الذي ظهر منه الفرد أيضاً، لكن من المحزن حقاً رؤية الأعداد اللانهائية من الأرواح التائهة التي ينتهي بها الأمر معتقدةً أن أي اتصالٍ كان مع عالم الروح فنتاجه بالضرورة النبوة، هذه الحالات يجب أن يبدأ معها المعلم أو المعالج من الصفر. ومن الأشياء الأخرى التي نغفل عنها هي الطبيعة الروحية والاجتماعية للعرق المشرقي، فما يحدث غالباً قد يكون مجرد لبس وقراءة خاطئة لعلامات وتنبيهات عن مشكل بسيط لدى الشخص في علاقته ووعيه بذاته واتصالها بعالم الروح (وبذلك جوهرها)، بجانب تراكم مفاهيم وموروثات محددة عن الدين منذ الصغر صعب التخلص منها، الأمر يحتاج قليل من الإرادة والبحث الصادق عن المعرفة.

ما يشدني حقاً هم من يدّعون كونهم المسيح المخلّص لبني إسرائيل، ويعود هذا لطريقة قرائتي الخاصة للكتب الإبراهيمية ككل، وكذلك وجود مفهوم مشابه لهذا بشكل أو آخر في أديان أخرى، فهناك دائماً الفرد المتكامل والممثل لجماعة أو شعب ما، الفرق هو خصوصية وشيوع وجدل شخصية المسيح الإبراهيمي لأسباب بديهية.

تقول القديسة الإسبانية تريزا الأفيلية: (لا جسد للمسيح الآن على الأرض إلا أنت)، وأنا أؤمن بهذا، وأعي ما قد يسببه هذا من لغط، لكن لا حيلة لدي إلا الخوض والمشاركة. من يقرأ حياة وطبيعة المسيح ابن مريم سيلاحظ تفرده عن بقية الأنبياء الإبراهيميين، وذلك لكونه أقرب ما يكون للأمثولة أو الوعاء لتجسيد المثال (في أرض كنعان حينها على الأقل)، والذي يبدو أن هذا التجسيد قد شق طريقه لقلوب الملايين من المؤمنين إلى يومنا هذا لسببٍ ما، فبغض النظر عن مصداقية وحرفية كل ما ذُكر عنه أو على لسانه؛ لا نختلف على استثنائية المسيح. وحينما نربط الحالة المذكورة آنفاً بشخصه ستتضح لنا رؤية جديدة، وحسبي أن الكنيسة تعزز لهذا الأمر، وهو كون أي فرد من اتباعها يمكنه أن يكون وعاءً للروح القدس أو الاتصال بها، وهذا لا يعني بالضرورة أننا نوازي أو نجسّد يسوع الناصري بعينه، بل لنقل أننا نوفر مساحة أكبر في وعينا ومادة جسدنا لما يسمى القدوم الثاني، وذلك من خلال استقائنا خلاصة كلامه وحضوره في أفعالنا وشخصنا بقدر استطاعتنا، ولا أعلم إن كان الأمر يجب أن ينتهي بتجسّد وولادة مخلّص مادياً بعد محاولة اتصال الوعي الجمعي لكل المؤمنين الحق بهذه الروح؛ لتتوفر هذه الصفات وأكثر دون أدنى جهد في شخصٍ ما. البعض يرجح أن نزوله لن يتعدى البُعد النجمي الأعلى المرتبط بكوكبنا، وهو حضور “كمّي” قد يختص ويفرح به أخيار وعرائس الكنيسة الحقيقية، لا كنيسة روما فقط. هذا أقرب تفسير منطقي من وجهة نظري لعقيدة القدوم الثاني، وهي ما يؤمن بها الكثير حتى ممّن لا يعتبرون انفسهم مسيحيين رسمياً، كما نرى في مجتمعات النيو ايج أو الجماعات والطرق السرّانية، فمن الصعب أن أؤمن بجسد مادي يهبط من سابع سماء فجأة كما تريدنا المصادر الأصولية أن نصدّق، سواء مسيحية أو إسلامية.

لذلك يمكننا القول بأن الكنيسة بأكملها هي اضخم استدعاء للقدوم الثاني للمسيح، الفرق أن الكنيسة كما نعرفها الآن؛ بعد تفاوت وتراكم الكثير من التأثيرات والسلطات عليها، بدءً حتى بالرسول شاؤول وبعد ذلك من يسمّون رسمياً بآباء الكنيسة، فهي نتاج لمخلّص ومسيح يخص أمة بني إسرائيل فقط، وذلك لربطهم المستمر للعهد الجديد بالعهد القديم، رغم امتلاء المصادر بدءً بالأناجيل نفسها وانتهاءً بمخطوطات البحر الميت أو الغنوصيين حتى، بما يؤكد موقف الناصري المناقص لليهود حينها، تحديداً طائفتي الفريسيين والصدوقيين، والذين لُقبوا صراحةً في الكتاب المقدّس بكنيس الشيطان، بجانب اسماء أخرى، فيعود همجيو كنعان وعبدة المامون (المال) ليُحكموا قبضتهم مرة أخرى. ليسوع الناصري اتباع من داخل وخارج الكنيسة وعلى مستويات مختلفة، فمنهم من يصل أعلى المراحل ليتذوق جسد المسيح بلسان روحه حتى دون تناول القربان على مذبح القدّاس، ومنهم من يحترم ويتبع تعاليمه الأخلاقية فقط، وكل هذا بالأخير عائد علينا سواء انتهى الأمر بتجسده حقاً أم لا.

المثير في الأمر أيضاً حين قراءة الأناجيل هو الطبيعة الخيميائية لبعض الأحداث والقصص التي يحتويها، وأهمها حادثة الصلب والصعود، سنلاحظ أنها تتبع خطوات ومراحل معينة وكل فقرة وما يحتويه نصها من أسرار، فمثلاً بعد خروجه من القبر وقبل صعوده تراه مريم المجدلية ليقول لها لا تلمسيني، تكاد أن تكون التفسيرات لانهائية لهذه الحادثة فقط، فلماذا هذه الجملة والمرأة بالتحديد؟

حينما يقف كل متعبد، متجرداً من ذاته ونفسه، كنقطة تركيز ومساحة لتجسّد الكلمة أو اللوغوس كمفهوم يتجاوز العقيدة المسيحية، فهنا نشكّل وعياً جمعياً لمروره كيفما كان، ويحدث هذا بكل تناغم إن اعددنا لذلك بعقل وقلب صافٍ، فانفتاح الوعي على طاقة روحية صاعقة كهذه بحاجة لإستعداد وتهذيب شديد. أيضاً اثناء هذه العملية قد نواجه ما يسمى النور الكاذب وهو معكوس المسيح المتجسد بأمثولة الدجال والذي قد يصادف المتعبد في رحلته، فيجب ألاّ نسمح لهذا النور الكاذب أن يستقر في وعينا، والذي قد يحدث من خلال ارتباط أشخاص أو منظومة أفكار معينة في حياة الشخص تدّعي ظاهراً بتجسيد النور وهي في الحقيقة تخفي العكس، وهذا لا يعني أن الفرد الذي صادفته تجسّد حرفي لهذه الطاقة والشر ويجب فقئ عينه الأخرى، فهو أخيراً مجرّد ذرة تخدم هذه القوة جهلاً ودون وعي منها في أغلب الأحيان، وهي مرحلة حتمية للإختبار والتطهير، ليُعزل أخيراً ماهو شائب عن النقي، ونرى الحق حقاً، والباطل باطلاً. ترعبني وتمتعني في ذات الآن احتمالية أننا قد نفعل العكس في كل هذا ونكون سبباً في تجسيد الدجال وذلك لعدم تمييزنا بين النور الحق والنور الكاذب.

يجب الإشارة أيضاً إلى شخصية أو مفهوم الملك الصادق، والذي قد ذُكر في عدة مواضع في الكتاب المقدّس، قيل بأنه الكاهن الذي عمّد إبراهيم، ثم حسب إنجيل يوحنا قال المسيح ذات الجملة المذكورة في عنوان هذه التدوينة، فيا ترى ماهي طبيعة ورسالة هذا الكاهن الغامض؟ شخصياً أرى يسوع الناصري امتداداً له، ويحدث ذلك حينما نسقط ذات النظرية التي ذكرتها عن مفهوم المسيح على الملك الصادق أيضاً، فهو ليس مجرد نفس أو ذات أرضية بل وعي سرمدي مطوِّع للزمن، هو الألف والياء، البداية والنهاية؛ والمؤمن عليه أن يطمح بأن يكون على ذات التردد السماوي ليقرّبه من هذه الأرض أكثر.

حين النظر للعديد من الحضارات، سنجد سيناريو مشابه يتكرر، فاللذي ذكرناه يختص ببني إسرائيل والساميين، بينما الهندوس لديهم مانو وراما، والرومان واليونانيين لديهم آنثروبوس وأبولو، والألمان لديهم أودين وبالدور، والذي اعتقد في فترة حكم الرايخ والقائد أدولف هتلر تمت محاولة تجسيد ذلك بأكثر طريقة علمية ممكنة، وهذه أحد الأسباب الكثيرة لإعجابي بهذا النظام، فكان القائد يريد شيئاً ملموساً وعملياً لدى العامة على الصعيدين الروحي والمادي بما يتوافق مع طبيعة الشعب الألماني.

كل هؤلاء الأشخاص التائهين والمضطربين إذا تم توجيههم وتثقيفهم في هذه المعارف سنرى عدد أقل ممن يدّعون المهدوية والنبوة بهذا الشكل، وسيتبعون نجم بيت لحم حقاً كما فعل المجوس الثلاثة حين ولادة الناصري، والذي ربما سيأخذهم لما هو أبعد دون التوهان في براري الأرض أو العقل.

* إنجيل يوحنا (58:8)