لغز المثلية – في الثقافة والمجتمع

قبل أن أخوض في موضوع شائك كهذا، أحب أن أنوّه بأن كل ما أشاركه هنا يعبر عن آرائي وانطباعاتي الشخصية، والتي تشكلها ملاحظاتي ومعتقداتي بجانب ما يُجمع عليه العلم والمنطق إلى حد أقل، وأحاول أن يكون للجانب الروحي (أو العقلي المتعالي) الحيز الأكبر هنا، وهي طريقتي على العموم في خوض وعيش هذا الوجود يومياً.

المثلية ليست بشيء جديد أو نافر كما يحب أن يتصور البعض، بل لنقل الطريقة التي نتعامل بها مع المثلية في هذا الوقت هي الجديدة والنافرة، في كل هذا التقبل العاطفي والغير مسؤول وعدم التعاطي معها كأي ظاهرة تستحق الدراسة والفهم حيادياً ليمكن التعامل معها بأكثر طريقة آمنة ومفيدة للجميع، وهذا ما يجعلني اتسائل عن الدوافع والأسباب التي جعلتنا نصل لهذه المرحلة، والتي اعتقد بأنها مزيج من الجهل عن المثلية بحد ذاتها من اصحابها وداعميها، والرفض الأعمى والقاسي من المعارضين بالمقابل؛ وهو ما سبّب تراكمات وردود فعل عكسية على المدى البعيد.

لايمكن انكار وجود المثلية في الطبيعة البشرية والحيوانية، هذه حقيقة جميع الأدلة تشير لها، لكن ماهي “طبيعة” وأسباب وجود هذا الشيء؟ وماهي الطريقة الأمثل للتعامل معها؟ لطالما أشرت للمثلية كإنحراف من النوع الحميد، وذلك لتواجدها في الأقلية لا الأغلبية، ولمناقضتها غريزة البقاء واستمرارية النسل، ومع ذلك بحد ذاتها لاتوجد لها تبعات سلبية مباشرة، بل تشكّل جزء من هوية ورغبات وسعادة البعض، وتصنيفي لها كإنحراف ليس من منطلق حكم أخلاقي سلبي يحطّ من قدرها، بل من باب العملية وتوضيح الأسباب.

أعتقد من أكثر الأشياء التي زادت في سوء الفهم والتشويش على المثلية هو التزامن الدائم لظهورها وكثرتها في العلن مع وجود أحداث غير مستقرة أو سلبية على الصعيد الإجتماعي والقومي، فأصبحت المثلية نذير شؤم أو شمّاعة حتى لبعض هذه الأحداث، ولا يعني ذلك عدم وجودها خلف أبواب مغلقة وبنسب أقل في فترات سابقة أكثر استتباباً، الفارق هنا من منظوري أن هذا التزامن يحدث في الفترات الإنتقالية، خصوصاً على مستوى الوعي العام، وفي هذه الفترات وما تحتويه من تزايد في التغيرات وتحول الأنظمة والمفاهيم والحروب حتى للإنتقال إلى المرحلة الأخرى؛ يتوهم ويتوجس الكثير من العوام بأنهم مقبلين على نهاية للعالم أو كارثة وغيره، وهي إحتمالية واردة وضرورية ربما في أسوأ الحالات لاشك، لكن يجب أن نقاوم ونحوّل أي معضلة أمامنا بأقل الأضرار الممكنة وعدم الاستسلام والرجوع لأنماط سالفة مباشرةً، وهي الوسيلة الأسهل للأغلبية غير الخلاّقة والكسولة كي تشعر بالأمان والاستقرار.

هل يحق للمثليين ممارسة ميولهم؟ بلا شك، لكن هل يحق لهم إظهاره ونشره وتكوين هوية إجتماعية عليه وفرض تقبلها على الجميع؟ ليس بالضرورة. ما أرجح القيام به دائماً هو نشر الوعي والمعرفة على مستوى علمي بوجود وطبيعة هذا الميول وحق أصحابها القانوني في عدم التعرض لهم بناءً عليه، وفي هذه الحالة يوجد إلتزام من الطرفين لإحترام حقوق الآخر، فالمثلي يجب عليه أن يتصالح مع ويراعي كونه من فئة أقلية وشاذة عن الأغلبية وبديهية عدم استساغة وفهم ممارساتهم ومظهرها وأولوية العلاقة المغايرة والعائلة كنواة وعامود لإستقرار أي مجتمع حضاري، وبالمقابل الأغلبية يجب أن يكونوا أكثر واقعية وإقراراً بوجود هذه الفئة في حد ألاّ يضروا العُرف والذوق العام.

السبب المحوري في دفاعي عن المثليين يستند على شيء واحد فقط: الإرادة الحقيقية. الغريزة الجنسية إنعكاس أو أحد أدوات هذه الإرادة التي لطالما كتبت وتكلمت عنها، الرغبة والحب يتّحدون مع هذه الإرادة بشكل أو آخر ولا يمكن اختيارها أو تغييرها، إذن هي شيء طبيعي في تكويننا وكبتها التام (والذي يختلف عن تهذيبها) إجرام في حق النفس والجسد، فالمثليين لم يختاروا طبيعتهم هذه وحتى المغاير يعي لهذا في إنجذابه اللاإرادي للجنس الآخر، وأيضاً لقناعتي بوجود أسباب روحية أو كارميّة لولادة بعض الأشخاص تحت ظروف وأقدار معينة، وهو ما يجب التعامل معه بحذر ودقة حتى في حال الرغبة بالتغيير أو المقاومة، فكيف لأمر كهذا. ولمَ لا يكون وجود المثليين دليل على ما يترتب عليه كبت وعدم ممارسة الفرد لإرادته الحقيقية؟ والتي كما ذكرت ترتبط بشكل جذري مع غرائزه الجنسية والعاطفية، فالإرادة الحقيقية إن لم تجد أي منفذ لها ستبحث وتظهر بأي شكل أو وسيلة، فربما كل هؤلاء المثليين نتيجة حرمان وشعور بالذنب وكبت غير صحي على مدى آلاف السنين لآلاف النساء لهويتهن ورغباتهن من هذه الناحية، وأي شخص فطين بما يكفي سيلاحظ الحسّ العالي والمرهف لدى المثليين في الكثير من الأمور والتفاهم السلس بينهم وبين النساء المغايرات، والتي تصل في بعض الحالات المتطرفة لوجود اضطراب في الهوية الجندرية كذلك.

من منظوري الخاص، أؤمن بوجود عدة أسباب وعوامل مسؤولة عن ظهور المثلية، أولها وأهمها السبب الروحي، وهو أني في الواقع أرى المثلية إحدى طرق الكون الفعلية لإلتئام وشفاء الفجوة والخلاف الدائم بين جنسي الذكور والإناث؛ فتولد أرواح معينة في أجساد مغايرة لها أو ميالة لهذه الطاقة لتفهم وتعيش تجربة الجنس الآخر ولتتناغم معه أكثر في حيواتها المستقبلية قبل أي دافع جنسي/غريزي، وهذه واحدة من تناقضات وأحجيات عدة في هذه الظاهرة التي لايفهمها الكثير، فالمثلية أيضاً بمثابة البوابة والاختبار التي يكتشف ويبني من خلالها الصبي الأغر رجولته وذاته، وهذا ما نراه في إهتمام وتقديس هذا النوع من العلاقات لدى الإغريق والرومان، ونرجسية الكثير منهم.

يرتبط المثليين بالإله الإغريقي إيروس، رمز الحب الشهواني وملذاته، وهم أكثر من يمثل طاقته وشخصيته، فالحب في أكثر صوره تجريداً كالنار التي لاتميز ولاتعي تحركاتها، وهذا ما يحمّل المثليين مسؤولية أكثر لتهذيب وتوجيه غرائزهم، وهو ما ينطبق على المغايرين أيضاً إنما على مستوى أقل لعدة أسباب يطول الحديث عنها في هكذا حيز. يرتبط المثليين في ذهني كذلك بالآلهة الهندوسية كالي بالتحديد والآلهة الأم عموماً، والتي تمثل جانب القوة والدمار والعنف لعدالة وقوانين الكون والخالق في صورة الأنثى، وهو ما توصلت له بشكل حدسي، فيبدون لي كأطفالها وأذرعها في هذا العالم، وليس بالغريب تزايد وجودهم في فترات تحمل هذه السمات والظروف، والتي يربطها البعض بإحدى دورات الزمن الأربعة التي تسبق العهد الذهبي، وهو ليس بالسلبي تماماً بالضرورة، فهذه الآلهة تُعبد ونراها تقف شامخة فوق جسد الإله شيڤا في أيقوناتها. لطالما علق معي اقتباس لايحضرني نصّه الآن للأسف للمعلمة ديون فورتشن، في وصف وتحليل المثلية من منحى طاقي بحت، والذي يقول بما معناه أن ظهور وتزايد المثلية إنعكاس حيوي لنضوب وإنحراف طاقة الحياة الخلاّقة عن مسارها، والتي تتمركز في غريزة الذكر، وهي من ينظّر لها البعض ويربطها بالإبداع الذي يصنع الحضارات والفنون، وبطبيعة الحال المرأة من يحتويها ويلهمها على عدة مستويات، فتنقلب وتفيض على ذاتها لسببٍ ما، وهذا ما يعزز تحليلي لسبب وجود المثلية وتزايد ظهورها في الأوقات الحرجة والغير مستقرة.

لا أستطيع أن أنهي هذه التدوينة دون ذكر التحليلات المعاصرة والمادية، الأغلب يفترض ويرجح وجود أسباب جينية ترتبط بحجم العائلة، والبعض يربطها في نظرية التطور واحتمالية وجودها كوسيلة عاقلة لحد تزايد السكان وضررهم على الأرض مثلاً، وقرأت كذلك عن الدور الذي يلعبه المثلي في العائلة وتوازنها، في حال نفور المرأة من زوجها وأي غريب بعد الولادة وحاجة الطفل لوجود بديل لوالده، وهو الدور الذي يأخذه الذكور من المثليين لأطفال أخواتهم، وهو ما يعزز أيضاً تحليلي عن سبب وجود المثلية ومحوريتها في فهم الجنس الآخر. كل هذا لا يبرر عدم مسؤولية المثليين في بعض الأمور الأخلاقية والحضارية، فأي شخص يحتك بهم أو يدرس مجتمعهم سيلاحظ ميلهم اللاواعي للنرجسية والذي يتجذر في سببين متناقضين وهو طبيعة ميولهم بحد ذاته ورفض المجتمع لهم، فتصبح وسيلة أخرى للدفاع عن النفس إنما بطريقة خاطئة، وأيضاً غرقهم في الشهوات والماديات وخلو حياتهم من دافع وجوهر معنوي، وهو عكس ما فعله بعض المثليين القدماء كأفلاطون وأوسكار وايلد ودا فينشي مثلاً، وهذا ما يجعلني أكثر ميلاً للتحفظ والحد من أنشطتهم الإجتماعية، وأن تُبنى هويتهم كأفراد بغض النظر عن الميول.

كل هذه الفرضيات والأفكار قد تحتمل الصحة والخطأ، لكن يجب ألاّ تتجاوز أهمية وأولوية السبب الروحي  الذي يحكم أي فرد ووجوده، مثلياً أم مغايراً كان، وأنا لا أطرح الأجوبة والتصورات النهائية بقدر محاولتي لمشاركة التساؤلات والاحتمالات والمردود الإيجابي والبنّاء الممكن منها الذي قد يساعدنا ويجعلنا أكثر مرونة وتعايشاً مع الوضع الراهن إلى أن نصل لجواب وحل أفضل، فهذه مجرد ملاحظات بسيطة لموضوع رحب ومعقد أتمنى أن نتعمق به ونستكشفه معرفياً قبل أي تشريع وتقبل.

اليهود والإرهاب الروحي

هنالك أحداث وشخصيات بعينها على مدار التاريخ ذات تأثير يتعدى ويتفاوت مع نظرائها، وأحد أبرز وأكثر الأمثلة بديهية لهذا الأمر هم: الأمة اليهودية. السخرية أن بالمقابل وفي الثقافة العامة أو الشعبية نلاحظ المحاولات المستميتة لتصويرهم كأقلية مغمورة ومظلومة ومشتتة دائماً، بينما في الواقع ومن يبحث ولو قليلاً سيجد أنهم من الأكثر نفوذاً وتأثيراً، ويكاد لا يخلوا حدث تاريخي مصيري من وجود اسم يهودي فيه؛ فما السر خلف ذلك؟

لن أحاول التركيز في سرد وصفّ المعلومات والأحداث التاريخية بعينها، يمكن لأي شخص أن يقوم بذلك من خلال بحث بسيط في غووغل أو أي مكتبة؛ بل سأحاول تلخيص وتفسير أثر الثقافة اليهودية على العالم أولاً، وطبيعتها من الداخل ثانياً.

لا اتعجب حينما أواجه من العوام من يتكلم ويدافع عن اليهود وكونهم “كأي عرقية وشعب آخر”، إنما أتعجب وأحزن حينما يقوم بذلك من لديه المعرفة الكافية عنهم. فهذه الطريقة والمساواة التي يعامِل بها شعوب العالم هذه الأمة هو من حُسن نواياهم وغرائزهم البشرية الطبيعية، بينما هي النقيض عمّا يوجد في التوراة وغيره عنهم. اليهودي (العلماني والمتدين على حدٍ سواء) وُجدت هويته على اختلافه وفوقيته عن أي مخلوق آخر خارج نسل يعقوب، قم بتصفح كتبهم المقدّسة لترى أنبذ الأوصاف والمواقف لأي شخص غير يهودي، لدرجة وجود قوانين وطقوس معقدة للتعامل معهم، وكأنهم حيوان نجس بأفضل الأحوال. والمشكل أن الدوافع خلف هذا الأمر ليست الأسباب الفطرية والعشوائية التي تفرّق وتشكل اختلافات وصراعات الشعوب والأعراق بين بعضها، بل لسبب عقدي واضح وثابت يتجسد في مفهوم العهد بينهم وبين الخالق في حادثة جبل سيناء وموسى المعروفة، والتي لسببٍ ما لا يفهمها أو يحللها كفايةً من يعرفونها، وقد يعود ذلك لذكرها السطحي والمتحفظ في الموروث الإسلامي والمسيحي.

خلاصة هذا العهد هو اختيار الخالق لبني إسرائيل كوسيط بينه وبين خلقه، يؤمن اليهود أنهم (ولا يوجد غيرهم) من يمكن أن يعرف أو يصل للخلاص والخالق إلا من خلالهم أو بالتحالف معهم على الأقل، ولهذا نرى مفاهيم في دينهم مثل “نور الأمم“، نسبةً لأنفسهم بين الأمم الأخرى الغارقة في الظُلُمات. وحتى في الأديان الإبراهيمية التي تبعتها نجد أفكار مشابهة أو تعزيز مموّه لفوقية وخصوصية بني إسرائيل، رغم أن هذه الأديان من منظوري تكونت وظهرت كثورة ضد اليهودية بشكل أو آخر، لكنها لم تستطع الإنعتاق والاستقلال التام عنها رغم نبل أهدافها.

مؤسف أن تتشوه عقيدة بأكملها بسبب ارتباطها التاريخي بسابقتها، وكذلك لمحدودية قراءة وتفسير من كانت النصوص في عهدتهم لاحقاً، كما حدث مع الإسلام والمسيحية إلى حد أقل، فأصبحنا لا نستطيع أن ننظر للخالق ووحدانيته إلا من منظور العقيدة اليهودية، حتى وإن كان بشكل لاواعي وغير مباشر، فالمسلمون والمسيحيون في عباداتهم يتوجهون لذات الرب الذي يصلي له اليهودي في الكنيست! ذات الرب الغاضب الباطش الأناني الذي اختار بني إسرائيل واقصى غيرهم، فأصبح مفهوم التوحيد فيها محدوداً ويكاد أن يطابق المنظور اليهودي في جميع دوافعه، فما سبب تطرف وهوس الكثير من الطوائف في كلا الديانتين التي لحقتها؟ الجواب يوجد في كتب التلمود والحاخامات، فالمسلمون والمسيحيون المتطرفين ليسوا إلا الخدم والمطبقين الميدانيين لما في هذه النصوص، أما اليهود فلهم طرقهم المتعددة وأمكر من أن ينفذونها بذات الطريقة، ومن يبحث قليلاً لن يتعجب حينما يعرف الأفراد المسؤولين عن تحركات وطوائف كالوهابية والإخوان مثلاً واحتمالية ارتباطهم بيهود الدونمة، فرق شاسع بينهم وبين فلاسفة ومتصوفة الأندلس أو دكاترة الكنيسة مثلاً.

ما السبب خلف ذلك؟ يؤمن اليهود قبيل ظهور وولادة مسيحهم أن جميع الأمم ستخدمهم وتخضع لهم، وهو ما بذلوا الجهد والعمل عليه حتى لو تلاعباً لتتحقق النبوءة ويتم خلاصهم، وهذا دليل على شدة يأسهم وسوء تدبيرهم، فأخيراً يكاد لا يوجد رادع أو دافع أخلاقي لأفعالهم مع أي شخص خارج نسلهم، لذلك نجد الربا في تعاملاتهم (وهو محرم فيما بينهم فقط) والكذب، أهم صفتين تشكلان الهوية اليهودية التي يحاولون محوها، ليرسموا الحمَل الوديع والعالِم الفطين الذي يرتقي بالحضارة مع أخيه الإنسان ولا ينسى واجبه الديني كما تشبّعنا في أفلامهم وكتبهم. تاريخ اليهود يتلخص في زعزعة الأمم وتفرقتها من الداخل، وهو ما وصلوا لذروته في استغلالهم للثورة الفرنسية وختامها بالثورة البلشفية، فنشر اليهود سموم فكرهم بقصد أو بدون ليحققوا نبوءة وأهداف أجدادهم؛ هذه الذاكرة في أعماق دمائهم الغير نقية ولاوعيهم هي من توجه أفعالهم، وها نحن الآن نرى دولتهم المزعومة، والتي تم التفاوض وطرح الاقتراحات لإقامتها في أماكن مختلفة بالمناسبة، بعد أن أخضعوا قوى العالم من خلال لوبياتهم ودور عبادتهم وتحركاتهم الثقافية. وجدير بالذكر هنا أن اليهود يميلون لعدم حمل السلاح وهو ما جعلهم يلجأون لهذه الوسائل كبديل للدفاع عن النفس وفرض الوجود!

لا نحتاج أن نقرأ منشورات كبروتوكولات زعماء صهيون لنصدق المؤامرة، قراءة عامة لكتبهم الدينية ومقارنتها وتحليلها مع تاريخهم الحديث سيجعلنا نصل لذات النتيجة، فهذه المنشورات كانت المحاولة اليائسة والأخيرة بعد فوات الأوان، نحن الآن نعيش في عالم يهودي تماماً، على الأقل سياسياً. وكل هذا متجذر في فكرة ودافع ديني بحت رغم الغطاء العلماني أو المادي الذي ترتديه أحياناً، فإن كان إرهاب بعض الجماعات الأخرى في السلاح؛ فاليهود إرهابهم بالفكر والروح، لإذلالهم وتلاعبهم في قادة وملوك العالم على مدى التاريخ لأجل نبوءاتهم وشعائرهم وأرضهم الموعودة، تمجيداً وقرباناً لإلههم الذي يعبده أكثر من نصف العالم الآن، فحتى الخالق وسبب هذا الوجود أصبحت البشرية لا تراه إلا من منظورهم كما ذكرت، وهذا ما أقصده تماماً بالإرهاب الروحي.

يصبح الأمر أكثر غموضاً وحساسية حينما نحاول تفسير وفهم الأسباب خلف أفعال ومعتقدات اليهود هذه، رغم صعوبة أن تكون عملياً قدر الإمكان في هكذا قضية. يعيد البعض هذا الأمر لكون اليهود في الحقيقة جماعات مشتتة من أصول مختلفة نجت من كوارث طبيعية وسقوط حضارات عدة، حاملين في أعماقهم ذاكرة كونهم عبيداً وخدماً لملوك هذه الحضارات، ورغبتهم الدائمة للإنتقام التي تتستر بالدين والمعاناة، ويعزز هذه الإحتمالية شيئان: احتواء كتبهم المقدّسة على معارف وأسرار كونية متنوعة لا يمكن لثقافتهم المعزولة ومصدرها أن تحصل عليها دون احتكاك وتجربة، والسبب الآخر تركيزهم على ثيمة الملوك ومواجهتهم، كنسْبهم وتحريفهم للمعتقد الشائع في العالم القديم حول تزامن سطوع نجم معين في السماء مع ولادة ملك من خلال ربطهم له بإسم الشيطان مثلاً، وهو ذات النجم الذي ظهر حين ولادة يسوع الناصري، وذات النجم الذي يُنسب لنمرود البابلي في موروثهم.

فينتهي الأمر بظهورهم نوراً بين الأمم كما يريدون، كرموز ومتحدثين رسميين لكل من هو مظلوم ومنبوذ من خلال نشرهم ورعايتهم للفكر الثوري والشعارات الإنسانية البراقة، أو كالأتقياء الذين يُسقطون ويحاربون كل ملك وقائد بحجة الدين وأن لا يستحق المُلك غير خالق هذا الكون، وأن السلام العالمي لن يكون إلا من خلال قدسهم (أورشليم، “أرض السلام”)، والذي يناقض مبادئهم المزعومة، فأي سلام يدعون له بعد أن أخضعوا واستعبدوا وذبّحوا العالم لأجل مآربهم ومعتقداتهم التي من المفترض ألاّ تخص أحداً غيرهم! أي نوع من الحرية هذه التي لطالما سوقوا لها!

توجد دراسات ونظريات أكثر جنوحاً تتناول الطبيعة البايولوجية لليهود وتحلل وتشكك في طبيعة مصدر وحيهم الديني حتى، ورغم أهميتها وكونها تستحق الدراسة والملاحظة، إلا أني في هذا المكان والمرحلة أراها لاتشكل الأولوية، المهم أن يعي العالم بأفعالهم ومعتقداتهم ومقاومتها قبل أي شيء آخر.

اليهودي ربح المعركة لا شك، طوّع قوى وإقتصاد وعقول العالم، ليحقق نبوءة كتبه حتى لو خداعاً وتلاعباً، وها هو الآن في أمان دولته، لكن ماذا سيفعل بعد أن يواجهه العالم بأفعاله وماضيه؟ وهو ما نراه في تزايد مؤخراً، ربما حان وقت الرد، ليس بالسلاح وحجارة الفلسطيني؛ بل عقلانياً وروحياً، وهذا ما يخيف اليهودي أكثر.

تلقي الكلمة والعهد الجديد

20-Aeon

من الصعوبات التي اواجهها في هذه المدونة أنني أحاول تلخيص واختصار مفاهيم وافكار بالغة التعقيد والحساسية والأهمية في بضع مقالات وجُمل قصيرة، وبالمقابل هناك من يتعمق ويبذل كامل جهده وإرادته ووقته لينتهي بكتاب عنها على الأقل، وهذا ما يُشعرني بتأنيب الضمير والتقصير، فما اكتبه هنا لا يكفي (بل قد يكون تشويش) لفهم وإيصال معلومة بعينها، لذلك ارجو من جميع القراء أن لا يكتفوا في بحثهم ومعتقداتهم عند أي حد أو معلومة؛ بل ابحروا وفككّوا دائماً سواء داخل أنفسكم أو خارجها في جميع المصادر المناسبة، فكل ما اقوم بنشره هنا هو مجرد لمحة أو مراجعة لهذه الأفكار من منظوري الشخصي، ثم كدعاية وتشويق للقارئ ليلتفت لها ويبحث اكثر.

للتوضيح: ما اقوم بتحليله وتنظيره في هذه المقالات هو غالباً من منظور روحي وفردي، ولا يستند فقط على الأدوات المعتادة والمتعارف عليها علمياً في القراءة والشرح المعرفي (والتاريخي تحديداً).

هناك العديد من النظريات التي تفسّر وتقرأ التاريخ والحضارة الإنسانية وما يُشكلها أو يدفعها خلال الزمن، البعض قد يعيد ذلك لغرائز واحتياجات في الإنسان وآخرون لطبيعة جغرافية، والبعض لتراكمات من حضارات مختلفة على المدى البعيد والتي قد تنتج عن شيء معين في وقت ومكان ما، لكن في وسط هذا كله هناك نظرية منسية أو متوارية عمّن يشكل حقاً الوعي والحضارة في عهود وفترات محددة. في كل فترة (أو دورة) من التاريخ يظهر رجل وفي حوزته “كلمة”، والتي يدّعي أنها المعادلة أو الرمز الذي يمثل الحقيقة، وهو ما يحدث غالباً بعد عزلة أو حدث معين غامض، نلاحظ أن بعد هذا الإعلان يبدأ فعلاً تكوّن الاتباع والديانة والتغير لوعي الجماعة والتي بدورها تُغيّر المحيط ثم الحضارة ككل، فما هي هذه الكلمات السحرية؟ الأكيد أنها تأتي من مصدر متعالي وغير خاضع لأبعادنا الثلاثية بل مطوّعة وموجهة لها، واظن الجميع يلاحظ ويتفق أن بعد فترة من الزمن قد يبدأ تأثيرها بالإنعكاس والإنحلال، فيبقى المصدر المكتوب بلا تشويه نسبياً على الأقل. اوم، الله، آناتا، جيهوڤا، جميعها كلمات يدّعي اصحابها أنها اسم أو تمثيل لحقيقة هذا الكون وخالقه، وهي ما أؤمن أنها السبب الرئيسي في تحريك وتشكيل الحضارات والوعي الإنساني قبل أي شيء آخر، ومن المؤسف أن الأغلبية يعتقدون العكس في وقتنا هذا.

في بدايات القرن المنصرم تلقينا آخر كلمة من هذا المصدر المتعالي، وهي “ثيليما” (إرادة بالإغريقية)، والتي تجسدت ونُطقت من خلال آليستر كرولي في كتاب القانون، أو كما يُحب أن يشير لنفسه بالوحش الأعظم، نسبةً لوحش القيامة في الكتاب المقدّس، وهنا نأتي لأحد أكثر المواضيع حساسية وأهمية حول هذا الشخص ونبوءته. آليستر كرولي وارتباطه بهذه الصورة يحتوي في طياته المفاتيح والأسرار لفهم رسالته والحقبة التي نعيشها الآن ككل، فهذا الارتباط السلبي والمُنفر ظاهرياً ليس إلا أحد الطرق التي تعمّدها لنشر وإيصال رسالته لمن يستحقها، فمن لديه الإرادة والتعطش الكافي ليواجه ويتجاوز المخاوف والحواجز (والتي من ضمنها صورة الوحش) من خلال تحديات واختبارات نصوصه ومحتواها؛ سيكشف لاحقاً عن جوهرها وترياقها، خلف كل مايبدو بأنه غبش وتظليل ووسخ ربما. وهذه الصورة في الواقع هي تمويهية أكثر منها حرفية، فلا يخفى على الأغلبية أن الكتاب المقدّس واتباع الناصري كانوا يُعتبرون مهرطقين وخارجين عن ملة وناموس موسى حينها، فالناصري أيضاً كان من منظورهم “دجالاً” ويعمل ضد مسيح بني إسرائيل المنتظر، وهذا ما يحدث الآن مع آليستر كرولي؛ فأفعى الشجرة وحمامة الروح القدس مُكملان لبعضهما البعض وإن كانوا ظاهرياً متنافرين، وهذا ما فهمه مدونو الكتاب المقدّس وحاولوا إيصاله ولو رمزاً سواء بشكل واعي أم لا، ألم يقولوا حين قدوم مملكة الربّ “سيلعب الأطفال مع الأفاعي”؟

آليستر كرولي وكلمته هما التنين الذي سيحرك ويزلزل أعماق ومحيط وعينا البشري الآن ليتمخض عن كلمته وعقيدته التي ستدخلنا العهد الجديد ونوره، أو “القدس الجديدة” كما سماها المسيحيون وتنبأت بها العديد من الحضارات والأديان بأشكال ومسميات أخرى، لذلك يُسمى بوحش القيامة كما ظهر في رؤيا يوحنا، لأنه يحطم الناموس القديم والميت ليأتي بالجديد، وهو ما أؤمن بأنه جزء من قانون كوني وسرمدي، والذي من خلال دوراته الخلاّقة والمدمرة نغتني وننتعش ونتجدد، نقيض العقائد الثابتة والميتة التي تقاوم على مدى التاريخ وتعتقد بصمودها وإزدياد قيمتها بينما في الواقع هي جثة متعفنة تحاول الحراك فقط.

قسّم السيد كرولي الزمن كدورات أو عهود متتابعة (ثلاثة في هذه الحالة)، وهو معتقد وصورة حاضرة في أغلب الأديان، والتي تشير كلها وتتفق أخيراً بأن الزمن لايسير في خط مستقيم مجهول تماماً إنما حَلَقي ومحكوم تحت قوى معينة أياً كانت، معيداً لنفسه. الفارق في هذه الحالة هو تصنيف كرولي لهذه القوى، فنسب كلاً منها لثلاثة من الآلهة المصرية، وهي: ايزس (مرتبطة بالأمومة والطبيعة والأرض)، ثم اوزيرس (مرتبطة بالأبوة والذكورة والصراع) وأخيراً حورس (مرتبطة بالطفولة والحرية والتجدد)، وهي الدورة أو العهد الذي نعيشه الآن، وهذا بالتأكيد تعريف تجريدي لأبعد درجة ممكنة، فينضوي تحت هذه القوى عدد لانهائي من التأثيرات والاحتمالات التي تتجاوز ما قمت بذكره، إلا أن ما يميزها الثبات والعودة لصورة الأم والأب والابن، وهو ما يعزز اقتناعي بها، كونهم المحرك والمصدر الأول لوجودنا الفيزيائي هنا. جدير بالذكر أيضاً أن هذا التصنيف مقارب لنظرية أحد أهم مؤسسين علم النفس التحليلي وهو كارل يونغ ونظريته للأنماط البدائية أو الأصلية التي تشكل وتأثر على تكوين الذات والهوية، والتي ربطها في هذه الحالة بالآلهة الأولمبية.

ما الذي يميز طبيعة ورسالة هذه الكلمة وعهدها إذن؟ من الناحية العملية هي تستند وتتمحور أولاً حول ممارسة الفرد وتجسيده لإرادته الحقيقية كما حاولت شرحها في مقالتي السابقة، والتي أهم ما سينتج عنها هو النور والحياة والحب والحرية (بأكثر صورة تجريدية وروحية ممكنة) في صاحبها، وهو نقيض العبودية والإستسلام والإنكسار، وهو ما تم تلقين وتجنيد البشرية عليه لأكثر من ألفين عام مظلمة، سواء في الدين أو السياسة. فكل من يتلقى ويتبع هذه الكلمة الجديدة يصبح ملك وربّ ذاته أولاً ويرى في الآخر ذات الشيء، ويحاول أن يساعد من يعتقد العكس، فهي ملَكيّة وارستقراطية روحية/عقلية قبل أي شيء آخر، وبذلك حتى معرفة الفرد للخالق أو مصدر الكون يجب أن تعزز وتزيد هذا الشيء، لا الضعف والصغر وإنعدام القيمة، بل جميعنا مكملين ومشتركين في هذه المأدبة الكونية، “كل رجل وامرأة نجم” كما يقول كتاب القانون، والجميع اجزاء من عقد سماوي واحد كما نراه ويزيّن هذا الفضاء وأعماقه، الكل ومضات من نور شمسٍ واحدة، والتي تخلق الخصوبة والسعادة والجمال والاستمرار، سواء في المادة أو الروح.

من أصعب دروس هذا العهد والتي لازلنا نتعلم منها، هو تحول التركيز من الجماعة إلى الفرد؛ اصبح الإنسان والفرد هو نقطة الحساب والمرجع لكل شيء، حتى الفلسفة والتقنية في القرون الأخيرة جميعها تخدم وتركز على هذا الشيء، وهو ما ترتب عليه الإيجابي والسلبي معاً، والذي من منظوري ليس إلا اعراضاً جانبية لسوء الفهم أو بسبب النقلة بحد ذاتها، والتي كانت في مخاض منذ نهايات عصر النهضة مروراً بالتنوير والثورات إلى ذروتها في بدايات القرن الماضي مع تلقي كتاب القانون. فكون الفرد في وقتنا هذا يحظى بأولوية ومزايا لم تتوفر له سابقاً لا يعني الشجب التام والانفصال عن الجماعة والمنظومة التي هو جزء منها وتحتويه، فيجب على الفرد والجماعة أن يكملا ويخدما بعضهم البعض، ومن رأيي أهم وأفضل ما توصلنا له في هذه الموجة هو انتهاء الوصاية والوساطة الروحية قبل أي شيء آخر، فكل فرد هو مصدر ومرجع ذاته في علاقته مع هذا الكون وما ورائه، لا شيخ أو قسّ له دخل في ذلك، ووظيفتهم يجب ألاّ تتخظى الإلهام والتوجيه في أفضل الحالات لمن يتوافق معهم، لا السيطرة والإكراه والتحكم، فمن لديه هذه المَلكة حقاً لن يحتاج أن يسوقها أو يستغلها بل ستظهر وتقوم بعملها تلقائياً.

يتميّز هذا العقد أيضاً بإنعتاق الابن من سطوة الوالدين، والمقصود هنا من الناحية النفسية أولاً، فهو عهد الطفل حورس، الروح الطليقة التي لايحدها شيء، فحاضرنا لا يحكمه أو يشكله ماضي وظل الآباء فقط، قد يلهمنا ونكرّمه بما يتوافق مع إرادتنا نعم، لكن لن يجعلنا مجرد نسخاً أخرى لهم، وهذا ما لايستطيع انكاره أي شخص يلاحظ طبيعة وتأثير التربية وبيئة المنزل على المدى البعيد، والتي تتسب غالباً في أن يرث الطفل السمات السلبية من والديه قبل الإيجابية للأسف، وهذا بالمناسبة ليس إعلاناً للتمرد والثورة بشكل أعمى كما يفعل الكثير من المراهقين، بل هي عملية داخلية صعبة ودقيقة للإنفصال يجب أن يعيشها أي فرد مع تقدمه بالعمر وتطوره، فالأب والأم مرتبطين بأطفالهم على مستوى أعمق من اللاوعي حتى، وهو ارتباط غريزي وحيواني بحت، وهذا ما يجب أن نقاومه ونهذبه.

يعلمنا كتاب القانون أيضاً أن لا نرفض ونحارب المادة بعينها، وهو عيب أغلب الأديان والأنظمة الروحية للعهود السابقة، والذي قد يكون بسبب سوء فهم لغوي/عملي في شرح أفكار لاهوتية معقدة. عهد الطفل حورس وكما يذكر كتابه لا يرفض المادة بل يطمح أن يتحدّ معها، لا يراها شرّاً وعائقاً عن الملكوت، بل انعكاس أو حجاب رقيق للحقيقة، نحن نحب ونقدّس المادة وما تجلبه من سعادة وانتشاء واستقرار، فهي الوعاء الذي يحتوي وتعبر من خلاله الروح طبيعتها، كتاب القانون مليء بالآيات التي تحض على تقديس اللذة والجمال وماهو محسوس، فهي طور وشكل آخر للحقيقة، ورفضها أو التقليل منها هو المحرم والمكروه بحد ذاته، ومن يتبنى العقيدة المناقضة لذلك يتضح عليهم في أفعالهم ومظهرهم الشاحب الذي يكره وينكر الحياة.

وأخيراً، ما يهم هو البعد الروحي لهذه المصطلحات والكلمات، فحينما أشير لأشياء بديهية كالفرد والحرية والحب وإلخ، لا اقصد بالضرورة ما تعنيه هذه الكلمات حين تناقلها في أحاديثنا واحتياجاتنا اليومية فقط، بل في السياق الفلسفي والعلمي، فماذا تعني هذه الكلمات حينما نقوم بربطها في الخالق وغير ماهو محسوس مثلاً؟ الحرية التي اعنيها هي حرية داخلية أولاً، حرية من أسوأ الصفات والحدود والمعتقدات التي في داخلنا وتعيقنا، والتي جميعها ستحل وتؤثر على المادي حينما نتوجه لها بهذه الطريقة. انصح واحرّص الجميع أن يقرؤا ويتأملوا هذه المفاهيم من منظور فكري بحت كما شرحها كرولي في نصه الذي شاركت رابطه في الأعلى.

لا استطيع أن أزيد وأقول غير أننا في فجر كوني جديد، فلا تشيحوا بنظركم عن شمسه وتنشغلون فقط في الليل وظلمته؛ ادخلوا وغنّوا مع أشعته كل يوم بإسم: النور والحياة والحب والحرية!

هيروغليفيا الروح: كيف تعرف إرادتك الحقيقية

(Do what thou wilt shall be the whole of the law – Love is the law, love under will)

لا ينكر أياً منا الحيرة التي نصطدم بها حين التسائل عن حدود ومدى حريتنا الشخصية، تتبخر حينها كل الإنتشاءات التي شعرنا بها في لحظةٍ شددنا بها قبضتنا على القدَر، مقابل حادثة أخرى استشعرنا من خلالها مدى ضآلتنا. أعيا واختلف في هذا السؤال نخب وقامات من صنعوا الحضارة البشرية؛ فما هو حال العوام؟ ما لا نختلف عليه هو وجود (قوة) تحركنا بدون وعي وإرادة منا بإتجاهٍ ما معين، وأجلى مثال لهذا الأمر جسد الإنسان ذاته، لا يستطيع الثبات في حالة واحدة لفترة محددة من الزمن، فماذا عن كل التفاعلات والأفكار التي تحدث في أعضائنا وعقولنا حتى دون وعي وتدخل مباشر منّا؟ إذن، يمكننا القول بقليل من الثقة، أن الإنسان مسيّر فيما لايعلمه ومخيّر في أغلب ما يعلمه. لا أعتقد أننا قادرون على الانعتاق من هذا الأمر، بل من خلال هذا الحيّز قادرون على استحضار سلام وفرح وجمال لا يحلم بهم الواهم إما بالحرية المطلقة في التخيير أو النقيض المتشائم من التسيير التام.

في سنة 1904 م من القرن المنصرم، تلقى البريطاني آليستر كرولي وحياً كتاب القانون في القاهرة من مصدر غير بشري، والذي احتوى على الآية الرنانة: (كل رجل وامرأة نجم)، وأعي تماماً ضحالة وفارق الترجمة العربية لهكذا نص، إنما الأهم تجاوز الشكل ومحاولة شرح روح هذه الجملة وارتباطها بتساؤلاتنا الآنفة. اخترت هذه الجملة لعدة أسباب، أهمها الكم الذي تختزله من النبوءة والعلم فيما لا يتعدى بضع كلمات، وهو ما سأوضحه الآن قبل أن نغوص لباطنها مشيراً إلى ظاهرها، والذي أكدته المادة من خلال الاكتشافات العلمية الحديثة.

كما لا يخفى على المطّلع في الفيزياء الحديثة، فإن العناصر الأساسية التي تنبثق من خلالها الحياة على هذه الأرض هي ذات العناصر التي نتج عن تناغمها نشأة النجوم وضوئها في الفضاء، والتي بعد إنفجارها ينتشر غبارها ليصل الأرض وهكذا. فهنا نرى التطابق الحرفي لهذا الوحي مع ما اكتشفه العلم لاحقاً، أي أننا فعلاً نحمل الحمض النووي لهذا الكون في داخلنا بجانب تاريخنا الأرضي هنا. لكن ما الرابط في كل هذا مع حرية الإرادة؟ يجب أن أوضح أجزاء وطبيعة الإرادة ومفهومها من هذا المنظور الخاص. كرولي يشبّه الفرد بالنجم، له طبيعته وشكله الذي يختص به، والأهم في هذا كله هو موقعه ومداره ونوره الذي يسير به في هذا الفلك، فالإنسان (المفترض) أن يوازى تحرّك النجم السماوي بحياته على الأرض، لا يقتطع مسار نجم/إنسان آخر، ولا يقف في مكانه، متناغماً مع القوانين التي تحكم هذا الكون، والقيام بذلك ينتج عمّا يسميه الإرادة الحقيقية؛ أي أن بالمقابل هناك إرادة محدودة ومشوهة، وهي غالباً مرتبطة بالرغبات المادية والأنانية، والتي يسبّب تراكمها لعمى البصيرة وأخيراً دفن أكثر للإرادة الحقّ، فيحدث اضطراب للفرد مع ذاته أولاً ثم الآخر، والذي نشبهه بتقاطع مسار نجم مع نجم آخر. إرادتنا الحقيقية متعالية، فهي النور الخافت الذي نلمحه في كل هذه العتمة، وهي نبض أعمق من الذي نسمعه في قلوبنا، ولأن هذه طبيعتها، فهي لامحدودة وأبدية، مختلفة عن إرادتنا المحدودة أو المادية، والتي تتجسّد سلباً في رغباتنا كما ذكرت، إنما هنالك جانباً إيجابياً لها، كالمواهب والهوايات والتي يمكن أن تكون وسيطاً لنعبّر فيه عن إرادتنا الحقيقية، إنما قناعتي تقول بأنها سرّ خاص بكل فرد ولا يمكن أو يجب حتى كشفه (تماماً) للآخر. فكما توجد قوة تدفع التفاعلات الكيميائية بجسدك للإستمرار والوجود، هناك قوة تدفع عقلك للبحث عنها ومعرفتها، البعض يسميها البحث عن الذات أو الخالق أو المعنى إلخ، وأنا اسميها الإرادة الحقيقية، والتي بدورها ستجيبك لاحقاً على كل هذه الأسئلة.

هناك عدة أمور يجب أن ننتبه لها لنعرف ونتصل أكثر بإرادتنا الحقيقية، فهذه الإرادة من ناحية عملية هي مشابهة لفكرة القدَر كما نستمتع بها في الأعمال الملحمية، عليك فقط أن تتخيل ذاتك بدور البطل ورحلته في سيناريو حياتك، وأعني ذلك شبه حرفياً. تاريخنا ومستقبلنا الروحي يبدأ بالكشف عن ذاته منذ اللحظة الأولى التي يقع بها بصرنا على الرمز، وهو أمر ربما لن نعي به حتى في سنوات مراهقتنا الأولى، بل في لحظةٍ ما مفاجئة، ربما حينما ترى رمز آخر مرتبط بالرمز الأول الذي تلقاه لاوعيك الغض، حينها يكمل كتابك نصه الذي بدأ به. قدَرنا أو إرادتنا الحقيقية لا تتواصل معنا من خلال المنطق أو الفكرة، بل دائماً وأولاً من خلال الصورة والشعور، متجاوزة ومطوعة العقل. ابدأ حينها بجمع الرموز التي كانت ولا زالت تحرك قلبك لسببٍ ما منذ الصغر، وإن كنت فطيناً بما يكفي ستلاحظ الرابط والتشابه بينهم، وأخيراً ستكتشف أن هذه الرموز هي ليست إلا شيفرة من مصفوفة أو نص اعظم وخفي هو ما يشكل ذاتنا  كما هي أو نريدها حتى. حينما نسمح فقط لهذه الرموز وما يرتبط بها من أفكار بإستقرارها أكثر في كياننا، سنلاحظ تدريجياً تحوّل الصدف والحوادث لصالحنا، وأقصد ما به اثراء وتقدم للجانب الروحي والعقلي أولاً ثم المادي، وهنا ننال حريتنا المرجوة، والتي بمثابة عرفان بسيط يقدمه الكون مقابل وعينا بخطته الأزلية ومساعدته بها، فإصخائنا لهذا الصوت في داخلنا هو السر، شريطة أن لا نتخطى ونتجاهل ملحمتنا هذه ورموزها، حينها فقط ستبدأ العراقيل والحدود بالظهور مجدداً، فكما يقول كرولي نفسه: هي أكثر حرية يمكن أن يحصل عليها الإنسان، وأثقل مسؤولية يحملها على عاتقه أيضاً، فكل قرار سيذكرنا بالمساحة التي بإمكاننا كسبها أو خسارتها.

قد يبدو كلامي أقرب ما يكون لأضغاث أحلام أو هذيان في أسوأ الحالات للبعض، لكن في الواقع أنا أزيح بعض الغبار فقط عمّا هو أعمق وأعقد، فهذه الفلسفة وطريقها هي الخلاص الوحيد للإنسان في عصرنا هذا وتحدياته، وأنا اتحفظ عن شرح مفاهيم وتفاصيل أخرى اترك للمهتم متعة استكشافها وتجربتها، وأخيراً بطبيعة الحال أنا لا أوازي لغة وروح المؤسس، فهذه مجرد محاولة متواضعة لنشر وشرح قانون الثيليما من منظور فردي، ولا يوجد مصدر آخر يتعالى وأكثر ثقة من الأصل، لذلك أوجه الجميع للقراءة والفهم من المصدر الأصلي.

(قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ) *

melch-revenna-apoll

لماذا مدّعي النبوة لا يُحصون بينما قلة منهم يتبَعون بعد فنائهم؟ هذا يتطلب منا تفكيك أكثر لمفهوم الوحي ثم ما يترتب عليه، وربما طبيعة وتاريخ المجتمع الذي ظهر منه الفرد أيضاً، لكن من المحزن حقاً رؤية الأعداد اللانهائية من الأرواح التائهة التي ينتهي بها الأمر معتقدةً أن أي اتصالٍ كان مع عالم الروح فنتاجه بالضرورة النبوة، هذه الحالات يجب أن يبدأ معها المعلم أو المعالج من الصفر. ومن الأشياء الأخرى التي نغفل عنها هي الطبيعة الروحية والاجتماعية للعرق المشرقي، فما يحدث غالباً قد يكون مجرد لبس وقراءة خاطئة لعلامات وتنبيهات عن مشكل بسيط لدى الشخص في علاقته ووعيه بذاته واتصالها بعالم الروح (وبذلك جوهرها)، بجانب تراكم مفاهيم وموروثات محددة عن الدين منذ الصغر صعب التخلص منها، الأمر يحتاج قليل من الإرادة والبحث الصادق عن المعرفة.

ما يشدني حقاً هم من يدّعون كونهم المسيح المخلّص لبني إسرائيل، ويعود هذا لطريقة قرائتي الخاصة للكتب الإبراهيمية ككل، وكذلك وجود مفهوم مشابه لهذا بشكل أو آخر في أديان أخرى، فهناك دائماً الفرد المتكامل والممثل لجماعة أو شعب ما، الفرق هو خصوصية وشيوع وجدل شخصية المسيح الإبراهيمي لأسباب بديهية.

تقول القديسة الإسبانية تريزا الأفيلية: (لا جسد للمسيح الآن على الأرض إلا أنت)، وأنا أؤمن بهذا، وأعي ما قد يسببه هذا من لغط، لكن لا حيلة لدي إلا الخوض والمشاركة. من يقرأ حياة وطبيعة المسيح ابن مريم سيلاحظ تفرده عن بقية الأنبياء الإبراهيميين، وذلك لكونه أقرب ما يكون للأمثولة أو الوعاء لتجسيد المثال (في أرض كنعان حينها على الأقل)، والذي يبدو أن هذا التجسيد قد شق طريقه لقلوب الملايين من المؤمنين إلى يومنا هذا لسببٍ ما، فبغض النظر عن مصداقية وحرفية كل ما ذُكر عنه أو على لسانه؛ لا نختلف على استثنائية المسيح. وحينما نربط الحالة المذكورة آنفاً بشخصه ستتضح لنا رؤية جديدة، وحسبي أن الكنيسة تعزز لهذا الأمر، وهو كون أي فرد من اتباعها يمكنه أن يكون وعاءً للروح القدس أو الاتصال بها، وهذا لا يعني بالضرورة أننا نوازي أو نجسّد يسوع الناصري بعينه، بل لنقل أننا نوفر مساحة أكبر في وعينا ومادة جسدنا لما يسمى القدوم الثاني، وذلك من خلال استقائنا خلاصة كلامه وحضوره في أفعالنا وشخصنا بقدر استطاعتنا، ولا أعلم إن كان الأمر يجب أن ينتهي بتجسّد وولادة مخلّص مادياً بعد محاولة اتصال الوعي الجمعي لكل المؤمنين الحق بهذه الروح؛ لتتوفر هذه الصفات وأكثر دون أدنى جهد في شخصٍ ما. البعض يرجح أن نزوله لن يتعدى البُعد النجمي الأعلى المرتبط بكوكبنا، وهو حضور “كمّي” قد يختص ويفرح به أخيار وعرائس الكنيسة الحقيقية، لا كنيسة روما فقط. هذا أقرب تفسير منطقي من وجهة نظري لعقيدة القدوم الثاني، وهي ما يؤمن بها الكثير حتى ممّن لا يعتبرون انفسهم مسيحيين رسمياً، كما نرى في مجتمعات النيو ايج أو الجماعات والطرق السرّانية، فمن الصعب أن أؤمن بجسد مادي يهبط من سابع سماء فجأة كما تريدنا المصادر الأصولية أن نصدّق، سواء مسيحية أو إسلامية.

لذلك يمكننا القول بأن الكنيسة بأكملها هي اضخم استدعاء للقدوم الثاني للمسيح، الفرق أن الكنيسة كما نعرفها الآن؛ بعد تفاوت وتراكم الكثير من التأثيرات والسلطات عليها، بدءً حتى بالرسول شاؤول وبعد ذلك من يسمّون رسمياً بآباء الكنيسة، فهي نتاج لمخلّص ومسيح يخص أمة بني إسرائيل فقط، وذلك لربطهم المستمر للعهد الجديد بالعهد القديم، رغم امتلاء المصادر بدءً بالأناجيل نفسها وانتهاءً بمخطوطات البحر الميت أو الغنوصيين حتى، بما يؤكد موقف الناصري المناقص لليهود حينها، تحديداً طائفتي الفريسيين والصدوقيين، والذين لُقبوا صراحةً في الكتاب المقدّس بكنيس الشيطان، بجانب اسماء أخرى، فيعود همجيو كنعان وعبدة المامون (المال) ليُحكموا قبضتهم مرة أخرى. ليسوع الناصري اتباع من داخل وخارج الكنيسة وعلى مستويات مختلفة، فمنهم من يصل أعلى المراحل ليتذوق جسد المسيح بلسان روحه حتى دون تناول القربان على مذبح القدّاس، ومنهم من يحترم ويتبع تعاليمه الأخلاقية فقط، وكل هذا بالأخير عائد علينا سواء انتهى الأمر بتجسده حقاً أم لا.

المثير في الأمر أيضاً حين قراءة الأناجيل هو الطبيعة الخيميائية لبعض الأحداث والقصص التي يحتويها، وأهمها حادثة الصلب والصعود، سنلاحظ أنها تتبع خطوات ومراحل معينة وكل فقرة وما يحتويه نصها من أسرار، فمثلاً بعد خروجه من القبر وقبل صعوده تراه مريم المجدلية ليقول لها لا تلمسيني، تكاد أن تكون التفسيرات لانهائية لهذه الحادثة فقط، فلماذا هذه الجملة والمرأة بالتحديد؟

حينما يقف كل متعبد، متجرداً من ذاته ونفسه، كنقطة تركيز ومساحة لتجسّد الكلمة أو اللوغوس كمفهوم يتجاوز العقيدة المسيحية، فهنا نشكّل وعياً جمعياً لمروره كيفما كان، ويحدث هذا بكل تناغم إن اعددنا لذلك بعقل وقلب صافٍ، فانفتاح الوعي على طاقة روحية صاعقة كهذه بحاجة لإستعداد وتهذيب شديد. أيضاً اثناء هذه العملية قد نواجه ما يسمى النور الكاذب وهو معكوس المسيح المتجسد بأمثولة الدجال والذي قد يصادف المتعبد في رحلته، فيجب ألاّ نسمح لهذا النور الكاذب أن يستقر في وعينا، والذي قد يحدث من خلال ارتباط أشخاص أو منظومة أفكار معينة في حياة الشخص تدّعي ظاهراً بتجسيد النور وهي في الحقيقة تخفي العكس، وهذا لا يعني أن الفرد الذي صادفته تجسّد حرفي لهذه الطاقة والشر ويجب فقئ عينه الأخرى، فهو أخيراً مجرّد ذرة تخدم هذه القوة جهلاً ودون وعي منها في أغلب الأحيان، وهي مرحلة حتمية للإختبار والتطهير، ليُعزل أخيراً ماهو شائب عن النقي، ونرى الحق حقاً، والباطل باطلاً. ترعبني وتمتعني في ذات الآن احتمالية أننا قد نفعل العكس في كل هذا ونكون سبباً في تجسيد الدجال وذلك لعدم تمييزنا بين النور الحق والنور الكاذب.

يجب الإشارة أيضاً إلى شخصية أو مفهوم الملك الصادق، والذي قد ذُكر في عدة مواضع في الكتاب المقدّس، قيل بأنه الكاهن الذي عمّد إبراهيم، ثم حسب إنجيل يوحنا قال المسيح ذات الجملة المذكورة في عنوان هذه التدوينة، فيا ترى ماهي طبيعة ورسالة هذا الكاهن الغامض؟ شخصياً أرى يسوع الناصري امتداداً له، ويحدث ذلك حينما نسقط ذات النظرية التي ذكرتها عن مفهوم المسيح على الملك الصادق أيضاً، فهو ليس مجرد نفس أو ذات أرضية بل وعي سرمدي مطوِّع للزمن، هو الألف والياء، البداية والنهاية؛ والمؤمن عليه أن يطمح بأن يكون على ذات التردد السماوي ليقرّبه من هذه الأرض أكثر.

حين النظر للعديد من الحضارات، سنجد سيناريو مشابه يتكرر، فاللذي ذكرناه يختص ببني إسرائيل والساميين، بينما الهندوس لديهم مانو وراما، والرومان واليونانيين لديهم آنثروبوس وأبولو، والألمان لديهم أودين وبالدور، والذي اعتقد في فترة حكم الرايخ والقائد أدولف هتلر تمت محاولة تجسيد ذلك بأكثر طريقة علمية ممكنة، وهذه أحد الأسباب الكثيرة لإعجابي بهذا النظام، فكان القائد يريد شيئاً ملموساً وعملياً لدى العامة على الصعيدين الروحي والمادي بما يتوافق مع طبيعة الشعب الألماني.

كل هؤلاء الأشخاص التائهين والمضطربين إذا تم توجيههم وتثقيفهم في هذه المعارف سنرى عدد أقل ممن يدّعون المهدوية والنبوة بهذا الشكل، وسيتبعون نجم بيت لحم حقاً كما فعل المجوس الثلاثة حين ولادة الناصري، والذي ربما سيأخذهم لما هو أبعد دون التوهان في براري الأرض أو العقل.

* إنجيل يوحنا (58:8)